فوزي آل سيف

64

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

وأما الجهة الثالثة وهي الظرف السياسي والاجتماعي الذي قيلت فيه الوصية فإننا نستطيع أن نتبينه من خلال الأمور التالية: 1/ من الناحية الفقهية والتشريعية: كانت الفترة التي قيلت فيها هذه الوصية هي فترة اصطراع الاتجاهين الرئيسين في الأمة؛ أتباع مدرسة الرأي وأتباع مدرسة الحديث، في الفقه.. وكذلك بدايات الصراع بين المعتزلة والاشاعرة في العقائد والأصول. وبالرغم من أن الصراع الأول بين الاتجاهين في الفقه كانت بذوره في وقت مبكر من تاريخ المسلمين، أي منذ زمان الخليفة الثاني، إلا أنه تحول إلى مدرسة فقهية بالتدريج في الكوفة، ومذهب متميز في الأخذ بالرأي كان على رأسه أبو حنيفة النعمان، ومذهب متميز في المدينة سيكون على رأسه مالك بن أنس، وفي موضوع العقائد سيتميز الاتجاهان؛ العقلي والحديثي في مذهبي المعتزلة والاشاعرة..[135]. وفي هذين الصراعين الفكريين كان دور العقل ومعرفته مبالَغًا فيه إفراطًا وتفريطًا، ففيما أقحم أصحاب الرأي العقل في ساحة أكبر من ساحته الحقيقية وأدخلوه إلى حريم العبادات والأحكام التي يفترض فيها التسليم وإعلان العجز عن فهم فلسفتها وعللها، ورفع راية الخضوع تعبدًا. فكانت هذه الوصية من هذا الإمام العظيم لهذا العقل الكبير، والعالم العيلم بمثابة تحديد ما للعقل وما عليه، وما ينبغي أن يكون فيه وما لا بد له من اجتنابه!

--> 135  للتفصيل في ذلك يراجع سلسلتنا: من تاريخ المذاهب في الإسلام.